طرق ذكية لتعزيز تعلم الأطفال وتنمية مهاراتهم في المنزل

هناك اعتقاد عام خاطئ حول المفهوم التقليدي لـ “التعليم”، والذي يقول بأنه عملية تحدث فقط في المدرسة، ولكن الوقائع تخبرنا بأن البيئة المنزلية هي واحدة من أكثر العوامل تأثيراً على تطور الأطفال. ولنفكر بالموضوع على النحو التالي: باعتبار أن الأطفال يقضون نصف ساعات يقظتهم فقط في المدرسة خلال العام الدراسي، وبالتالي فإن قسماً كبيراً من تعليمهم يجري خارج أبواب المدرسة.

ومن هنا، يظهر السؤال حول الأسباب التي تجعل من المنزل مكاناً مثالياً للتعليم رغم أنه لا يحتضن كتباً مدرسية أو مكتبات. فبدايةً، وفي العديد من الحالات، يستبدل المنزل صيغة التعليم التوجيهي التقليدية المتدرجة، ويؤمّن بدلاً منها بيئة تفاعلية وخالية من الضغوط، وفي الغالب ماتكون بيئة مرحة تشجع من خلال طبيعتها هذه على الاكتشاف والتعلم المبني على اللعب. ويشير مصطلح التعلم في المنزل في الواقع إلى أي مكان بخلاف الصف الدراسي، ومن الممكن أن يتم في الحديقة أو أحد منتجعات العطلات، وحتى على طاولة المطبخ أو في الهواء الطلق. حيث يختبر الأطفال في هذه البيئات الخارجية لقاءات غير محدودة يمكنهم التعلم منها، كما تتيح هذه البيئات للآباء ومقدمي الرعاية تعزيز فوائد التعليم من خلال التحكم بتوجهات اللعب والاسكتشاف ضمن المنزل.

وتؤكد الدراسات ضرورة السعي لتوفير بيئات تعليمية مليئة بالمرح لدعم الصحة العقلية وتحقيق نتائج تعلم إيجابية للأطفال. والحقيقة أننا عندما نجرّد التعليم من التسلية والراحة، فإننا نبعد المتعلمين عن المعالجة الفعالة للمعلومات وتخزين الذاكرة طويل الأمد. وعوضاً عن الاستمتاع بالتعليم، سيشعر الطلاب بالملل، ومن الممكن أن يصبحوا قلقين أو ضجرين أو مشتتي الانتباه. فهم ببساطة، يصبحون غير منخرطين في العملية التعليمية. وهذا هو الإطار الذي تندرج ضمنه السمات المميزة للتعليم المنزلي.

وفي الواقع، فقد كشفت دراسات التصوير العصبي العلمية أنه عندما يتم انخراط وتحفيز الطلاب في العملية التعليمية مع شعورهم بالحد الأدنى من الضغوط، فإن المعلومات تسري بحرية بين النواقل العصبية، ويحققون بالنتيجة مستوى أعلى من الإدراك والتفاعل والوصول إلى الاستنتاجات والاكتشافات. وبالتالي، يوفر المنزل البيئة الإيجابية المثالية للتعليم المليء بالسعادة والخالي من الضغوطات -حتى عندما لا يكون الأطفال مدركين لذلك.

وبجانب تحفيز التفكير، يعتبر التعلم في المنزل ملعباً مثالياً لبناء مهارات القرن الحادي والعشرين. حيث تعدّ هذه المهارات في أيامنا هذه محوراً هاماً في العملية التعليمية، ولسببٍ وجيه يدعوها البعض بالركائز الأساسية للتعلم. إذ سيحتاج الأطفال إلى التأقلم والنمو في مشهد عالمي يتزايد فيه التنافس، وفي الوقت نفسه، سيتعين عليهم التعاون مع أفراد آخرين من مختلف أنحاء العالم. وسيتم تقدير مهارات الابداع والابتكار بشكل كبير، إلى جانب القدرة على معالجة التحديات مع التواصل الواضح. وفي حين بدأت المدارس بالتحول نحو تعليم القرن الحادي والعشرين، توجد الكثير من الجهود التي يمكن للأهالي فعلها بغرض تعزيز هذه المهارات في المنزل أيضاً.

ساعدوا أطفالكم على التعلم والنمو خارج أبواب المدرسة من خلال الأنشطة المعتمدة على اللعب، والتي يمكن للعائلة بأكملها أن تستمتع بها.

حل المشاكل والإبداع

في المستقبل، ستظهر العديد من المشاكل المعقدة على كل الأصعدة، والتي لا يمكن لنا أن نتصورها في وقتنا الحالي. ومع التقدم الاجتماعي، ستظهر المزيد من الصراعات القابلة للإدارة، والتي من الممكن أن تصبح أكثر تعقيداً وتنوعاً. وللمضي قدماً في عالمٍ تنافسي، سيحتاج الطفل لأن يكون قادراً على التفكير بشكل نقدي، وأن يمتلك مهارات الملاحظة والتحليل وإيجاد حلول ذكية لمشاكل متنوعة. وكلما ركزنا أكثر على قدرة الطفل على ابتكار حلول فعالة لمشاكل العالم الواقعي، أصبح الطفل أكثر نجاحاً في المستقبل. وعلاوة على ذلك، يمكن اعتبار الإبداع على أنه العملية التي يتم فيها تخيل مايمكن إنجازه، وهي المهارة التي يحتاجها جميع صنّاع التغيير بدون استثناء. ويمكن للأهالي تشجيع التفكير الأصيل من خلال حمل الأطفال على تحديد مشكلة أو سؤال، ثم القيام بعصف ذهني للحصول على الحلول، وبعد ذلك يتم ابتكار خطة ووضعها في حيز التنفيذ.

  • لعبة الحمم البركانية: تتضمن إنشاء مضمار مليء بالعوائق داخل المنزل أو في الهواء الطلق أو كليهما، ويجب على الأطفال أن يعبروا خلاله من البداية حتى النهاية خلال وقت محدد بدون لمس الأرضية. وتُوزع طرق المساعدة بطريقة مبعثرة في الطريق، مثل عصا المكنسة أو دراجة أو حبل، والتي تُجسد أدوات مفيدة محتملة للمتسابقين خلال الرحلة. ويمكن للأطفال أن يعملوا بشكل مستقل أو بشكل جماعي ليصلوا إلى خط النهاية. وتركز هذه اللعبة بالمجمل على مهارات تحديد المسارات وإيجاد الحلول، فضلاً عن تحفيزها للابتكار والمثابرة والعمل الجماعي وتنظيم الوقت.
  • لعبة طريق الأبجدية: تقوم على اختيار موقع ضمن الخريطة يبدأ بأول حرف في الأبجدية، ومن ثم التقدم وفقاً لترتيب الحروف حول الخريطة، مع تحديد مسافة بسيطة قدر الإمكان بين كل مدينة أو وجهة متعاقبة. ومع تقدمهم في اللعبة، يستخدم الأطفال آلة حاسبة لمعرفة مسافات الرحلة بين المدن المرتبة أبجدياً. ويفوز الطفل الذي يصل بأقصر مسافة من الحرف الأول إلى الأخير. وتعتبر هذه اللعبة بسيطة ولكنها مفيدة جداً لتشجيع الأطفال على استخدام الرياضيات والجغرافيا ومهاراتهم في حل المشاكل للتوصل إلى إجابات فعالة.
  • لعبة إيجاد الكنز: اكتبوا حروف الأبجدية على قطع صغيرة من الورق وضعوها في قبعة. ثم اطلبوا من أطفالكم سحب خمسة حروف منها، ومن البحث في المنزل والحديقة ليجدوا عناصر أو أشياء تبدأ أسماؤها بهذه الحروف. وتعتبر هذه اللعبة رائعةً لتشجيع التفكير الإبداعي، ويمكن أن تُلعب تقريباً في أي مكان. كما أنها تفيد في إبقاء أطفالكم مشغولين لوقت طويل!
  • لعبة البحث والملاحظة: عندما تكونون في الخارج أو حتى في المنزل، قوموا بتحدي جميع أفراد الأسرة في هذه اللعبة التقليدية والتي تتطلب مهارات المراقبة الإبداعية. شجعوا أطفالكم على البحث عن الأشياء الغامضة، وأثنوا عليهم على الأشياء التي يلاحظونها. تساعد هذه اللعبة الأطفال على تعلم كيف يكونون أكثر يقظة وتشجع أيضاً على اكتساب مهارات التفكير الجانبي.
  • لعبة اختصارات لوحات السيارات: أثناء تواجدكم في الازدحام المروري أو أثناء القيادة لمسافات طويلة، بإمكانكم التخلص من الملل من خلال طلبكم من أطفالكم أن يعبروا عن الكلمات التي تتبادر إلى أذهانهم عند مشاهدتهم للأحرف المكتوبة على لوحات السيارات في الطريق السريع. وتعتبر هذه اللعبة تمريناً بسيطاً ومفيداً لحمل الأطفال على التفكير غير التقليدي، وغالباً مايرافق هذه اللعبة الكثير من الضحك والتشجيع.

التعاون والاتصال

أكثر الشركات نجاحاً هي تلك التي تعلم كيف توظّف أفضل الموظفين وتحملهم على العمل باتجاه تحقيق هدف مشترك. ويجب على الأطفال أن يمتلكوا من الآن القدرة على التعاون بسلاسة في كلا المساحات الواقعية والرقمية، وأن يجدوا الطرق المثالية للعمل مع شركاء واقعيين وافتراضيين من مختلف أنحاء العالم. وهذا هو سبب كون المشاريع والألعاب تُجسد فرص جيدة لتعليم الأطفال أهمية العمل الجماعي. فعندما يعملون معاً، يتعلم الأطفال مهارات ضبط النفس والدبلوماسية والتعاطف وتنظيم الوقت.

  • لعبة التمثيلية التحزيرية: تتطلب لعبة التواصل الكلاسيكية هذه من الطفل أن يُجسّد شخصية مشهورة أو فيلم أو غرض يومي، باستخدام الإشارات، وكشف العنوان بنجاح خلال فترة قصيرة من الزمن ومن دون نطق أي كلمة أو البوح بأي اسم لأعضاء الفريق، والذين يتوجب عليهم أن يخمنوا بشكل صحيح. وتعلّم هذه اللعبة الأطفال أن يختاروا أكثر المعلومات اتصالاً بالموضوع، وأن يستخدموا لغة الجسد وإبداعهم لنقل فكرة بشكل فعال، كما أنها تشجع مهارات المراقبة والإدراك بين المشاركين، فضلاً عن كونها طريقة فعالة لبناء الثقة.
  • لعبة جينغا: قوموا برصف الحجارة لبناء برج، ثم اعكسوا العملية من خلال إزالة الحجارة بعناية واحدة تلو الأخرى. ويجب على الأطفال أن يعملوا سويةً ليبقى البرج واقفاً لأطول مدة ممكنة، مع حرصهم على اختيار الحجارة الصحيحة لتقليل الضرر أو أي نوع من عدم الاستقرار في برجهم. وتعد جينغا لعبة رائعة لتشجيع التواصل من خلال تقديم الإرشادات والتوصيات للجميع أثناء تعاونهم لتحقيق أفضل النتائج الممكنة معاً.
  • لعبة الكأسين والحبل: شجعوا أطفالكم على ابتكار جهاز نقل صوتي سمعي (غير كهربائي) مصنوع من علبتين من القصدير، أو أكواب ورقية، أو من عناصر ذات أشكال مشابهة متصلة في نهايتها بوتر طويل مشدود أو حبل. حيث تتيح هذه اللعبة للأطفال اختبار القدرات الصوتية لابتكارهم من خلال إرسال الرسائل لبعضهم البعض عبر المنزل أو حتى في الفناء الخلفي. ويسهم هذا النشاط بتعليم الأطفال أحد أشكال الاتصال الهاتفي الميكانيكية، حيث يتم نقل الصوت من خلال الاهتزازات عبر وسط سائل أو صلب، قبل أن تعود إلى شكلها الأصلي على هيئة صوت. ويعتبر هذا النشاط مثالياً لتشجيع التفكير العلمي والابتكار، فضلاً عن كونه يعتمد على معارف الفيزياء!

المهارات التكنولوجية

عند اقتنائكم لهاتف ذكي جديد فإنكم طبعاً ستطلبون المساعدة من أطفالكم، إلا أن السهولة في تشغيل الأجهزة هي مهارة مختلفة عن فهم أفضل الممارسات للاستعمال الفعال لهذه الأجهزة. وعلى الرغم من الأثار السلبية المحتملة لاستخدام الأطفال للأجهزة الإلكترونية، مثل الحواسيب المحمولة أو الأجهزة اللوحية المخصصة للألعاب، إلا أنها تشجع الأطفال على تنمية مهارات مختلفة، مثل الترميز أو التفكير بطرق ثلاثية الأبعاد، ما يجعلها أدوات استثنائية للتعليم الإيجابي. وبالتالي، تحتاج الأجيال المستقبلية لامتلاك المهارات التكنولوجية، وتعلم كيفية التحقق من صلاحية تدفقات المعلومات المختلفة خلال تصفح وسائل التواصل الاجتماعي في الوقت نفسه.

  • التعاون ضمن مواقع التواصل الاجتماعي: تعاونوا مع أبنائكم لإنشاء مدونة عائلية أو صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث بإمكانكم نشر الصور والمستجدات وحتى الإنجازات. واعملوا سوية لإنشاء محتوى وتحرير المعلومات والتفاعل مع الأصدقاء وأفراد العائلة. ولا تقتصر فوائد هذا النشاط على تطوير مهارات الكتابة لدى أبنائكم فحسب، بل تساعدهم أيضاً على تحضير أنفسهم للمستقبل حيث سيتوجب عليهم العمل على تقارير وعروض تقديمية.
  • ممارسة ألعاب الفيديو: ليس بالضرورة أن تحمل ألعاب الفيديو تأثيراً سلبياً بصورة مطلقة. فهي تساعد الأطفال على تعلم كيفية إبداع أشياء أو حتى مدن بأكملها وعوالم افتراضية من خلال الترميز. وتنطوي هذه الألعاب على فوائد كبيرة لبناء المهارات التكنولوجية والفراغية، كما أنها تساعد الأطفال من أصحاب الهمم على تطوير مهارات مختلفة. وتقدم هذه الألعاب مزيجاً من الترفيه والابداع ومهارات الهندسة والتواصل الاجتماعي.

ولحسن الحظ، يمكن لجميع الأهالي صقل هذه القدرات المهمة من خلال الأنشطة والألعاب المسلية التي تجعل رحلات السيارت الطويلة وعطل نهاية الأسبوع تمضي بسرعة، فضلاً عن تعليم الأطفال المهارات التي يحتاجونها ليكونوا متعلمين بارعين في القرن الحادي والعشرين.